جلال الدين السيوطي
70
الإتقان في علوم القرآن
بالمصدر ، والبناء بناء مبالغة ، والقلب ، وهو للاختصاص إذ لا يطلق على غير الشيطان . تنبيه [ تقديم المعمول يفيد الحصر ] كاد أهل البيان يطبقون على أنّ تقديم المعمول يفيد الحصر ، سواء كان مفعولا أو ظرفا أو مجرورا ، ولهذا قيل في : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( 5 ) [ الفاتحة : 5 ] . معناه : ( نخصّك بالعبادة والاستعانة ) . وفي : لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ [ آل عمران : 158 ] معناه : ( إليه لا إلى غيره ) . وفي : لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [ البقرة : 143 ] أخّرت الصلة في الشهادة الأولى ، وقدّمت في الثانية ، لأنّ الغرض في الأوّل إثبات شهادتهم ، وفي الثاني إثبات اختصاصهم بشهادة النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عليهم . وخالف في ذلك ابن الحاجب ، فقال في شرح « المفصّل » : الاختصاص الذي يتوهّمه كثير من النّاس من تقديم المعمول وهم ، واستدلّ على ذلك بقوله : فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ [ الزمر : 2 ] . ثم قال : بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ [ الزمر : 66 ] . وردّ هذا الاستدلال بأنّ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أغنى عن إفادة الحصر في الآية الأولى ، ولو لم يكن فما المانع من ذكر المحصور في محل بغير صيغة الحصر ، كما قال تعالى : وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ [ الحج : 77 ] . وقال : أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [ يوسف : 40 ] . بل قوله : بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ من أقوى أدلّة الاختصاص ، فإنّ قبلها : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [ الزمر : 65 ] فلو لم يكن للاختصاص ، وكان معناها : ( اعبد اللّه ) ، لما حصل الإضراب الذي هو معنى ( بل ) . واعترض أبو حيان « 1 » على مدّعي الاختصاص بنحو : أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ [ الزمر : 64 ] . وأجيب : بأنّه لمّا أشرك باللّه غيره كأنه لم يعبد اللّه ، وكان أمرهم بالشرك كأنه أمر بتخصيص غير اللّه بالعبادة . وردّ صاحب « الفلك الدائر » الاختصاص بقوله : كُلًّا هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ [ الأنعام : 84 ] وهو من أقوى ما ردّ به . وأجيب : بأنه لا يدّعى فيه اللزوم ، بل الغلبة ، وقد يخرج الشيء عن الغالب . قال الشيخ بهاء الدين : وقد اجتمع الاختصاص وعدمه في آية واحدة ، وهي : أَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ [ الأنعام : 40 ، 41 ] فإنّ التقديم في الأوّل قطعا ليس للاختصاص ، وفي : إِيَّاهُ قطعا للاختصاص .
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط 7 / 438 - 439 .